خارج الصندوقخفايا وكواليسنبض الساعةهيدلاينز

السويداء بعد يوليو الدامي: هل أصبح حكمت الهجري المرجعية الوحيدة؟

خاص – نبض الشام

تعيش محافظة السويداء لحظة مفصلية تطرح سؤالاً حادّاً: من يملك القرار فيها؟ بين المرجعية الدينية الموروثة تاريخياً لمشايخ العقل، والانقسام السياسي والعسكري الذي عمّقته الأحداث الأخيرة، برز الشيخ حكمت الهجري لاعباً أساسياً، وربما الأوحد، في تقرير مصير المحافظة. ومع تصاعد نفوذه على حساب مشايخ آخرين، تحوّلت داره إلى مركز للقرار، في مشهد يعكس جدلية الدين والسياسة في مجتمع أنهكته عقود من الاستبداد.

جذور المشيخة
تعود فكرة مشيخة العقل عند طائفة الموحّدين الدروز إلى العهد العثماني، حين اختير الشيخ إبراهيم الهجري شيخ عقلٍ أوحد لصلاحه وتقواه. وبعد وفاته، حُصرت المشيخة في ثلاث عائلات هي الهجري، جربوع، والحنّاوي، بحيث تنتقل بالوراثة.
تركّز نفوذ كل عائلة في مناطق مختلفة: آل الهجري في بلدة قنوات والريف الشرقي والشمالي، آل جربوع في مدينة السويداء والقرى المحيطة بها، وآل الحنّاوي في سهوة البلاطة والريف الجنوبي. لكن السؤال المطروح اليوم: من يملك القرار في السويداء؟

السلطة والدين
ولد حكمت الهجري عام 1965 في فنزويلا، وتولّى منصب شيخ العقل بعد وفاة شقيقه أحمد عام 2012 في حادث قيل إن النظام السوري يقف خلفه. ومنذ ذلك الحين أصبح أحد أركان الهيئة الروحية إلى جانب يوسف جربوع وحمود الحنّاوي.
برز دوره بقوة بعد حراك ساحة الكرامة في أغسطس 2023، حيث دعم الانتفاضة ضد بشار الأسد، وتحولت داره في قنوات إلى ملتقى للمعارضين ومكان لإطلاق أجسام سياسية جديدة.

ورغم رفض بعض السياسيين حصر المعارضة في “دارة” الهجري، غلبت الشعبوية على العمل السياسي المنظم، نتيجة عقود من قمع البعث الذي صادر الحريات والقرار السياسي وحوّل الشعب إلى متلقٍ للأوامر. وهكذا أصبح الهجري رمزاً جامعاً، في وقت ظهر تيار آخر يرفض إقحام رجال الدين بالسياسة ويسعى إلى خطاب مدني بديل.

انقسامات واستغلال خارجي
مع أحداث ديسمبر 2024، صعد نجم الهجري أكثر، متقدماً على الشيخين جربوع والحنّاوي، ليصبح مرجعاً دينياً وسياسياً في آن واحد.
لكن الانقسام داخل مشيخة العقل كان واضحاً: فالهجري أعلن القطيعة مع الحكومة الانتقالية في دمشق، بينما دعا الآخران إلى الحوار. هذا الشرخ استغلته أطراف خارجية لدعم الهجري وتعميق المسافة بين السويداء والعاصمة.
حتى الفصائل المسلحة انقسمت: “المجلس العسكري” اصطف خلف الهجري، فيما وقف “رجال الكرامة” على الضفة الأخرى.

تموز الدامي
شهدت السويداء في يوليو الماضي أحداثاً دامية ارتكبت خلالها الحكومة الانتقالية والعشائر مجازر بحق المدنيين، ما عزز شعبية الهجري بشكل غير مسبوق وأضعف مكانة منافسيه.
محاولة الحكومة فرض سيطرتها بالقوة ارتدت عكسياً، إذ وحّدت الأهالي خلف الهجري باعتباره الحامي والمنقذ من “الحكومة الطائفية” التي يُنظر إليها كقوة تضطهد الأقليات.
ومع ذلك، هناك أصوات ما زالت تنتقد الهجري وتحمّله مسؤولية كبيرة في مآسي المحافظة، لكنها عاجزة عن تشكيل تيار مؤثر ينافسه على القرار.

اللاعب الأوحد
اليوم، بات حكمت الهجري اللاعب الأساسي في المفاوضات مع الأطراف الخارجية، وصاحب القرار الأول في شؤون السويداء.
فقد بدأ بالفعل بإدارة المحافظة عبر اللجنة القانونية العليا المعيّنة من “الرئاسة الروحية للطائفة”، والتي يسيطر عليها بشكل كامل. ومن خلال هذه اللجنة جرى تشكيل لجان فرعية وتعيين قائد لقوات الشرطة المحلية.
ورغم غرابة أن تُدار البلاد بقرارات مرجعيات دينية أو فصائلية، إلا أن عقود الاستبداد البعثي غذّت الانقسامات الطائفية والعشائرية، وأبقت المجتمع في حالة ما قبل الدولة، مما سهّل خضوعه لهذه المعادلات.

تساؤلات مفتوحة
بعد 14 عاماً من اندلاع الثورة السورية وسقوط نظام الأسد، يبقى السؤال: هل نجح السوريون حقاً في كسر “التابوهات” التي زرعها الاستبداد في لاوعي المجتمع، أم أن السويداء تقدّم نموذجاً جديداً لاستمرار الحكم عبر الرموز الدينية والشعبوية؟

منذ تأسيس مشيخة العقل حتى اليوم، ظلّت الزعامة الدينية محور القرار في السويداء. لكن مع تصاعد نفوذ حكمت الهجري، وانتقال المحافظة إلى مشهد جديد بعد يوليو الدامي، يبدو أن القرار في السويداء يتجه أكثر فأكثر نحو رمز واحد. ومع ذلك، يظل السؤال مفتوحاً: هل سيقود هذا المسار إلى حماية المجتمع أم إلى إعادة إنتاج سلطة فردية جديدة تحت عباءة الدين؟

“متابعة أسرة تحرير نبض الشام”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى